Communist Party of Iran
Marxist.Leninist.Maoist
حزب کمونیست ایران
مارکسيست.لنينيست.مائوئيست
جستجوی بیشتر
 
 العربيه   دوشنبه ۲۷ آذر ۱۳۹۶ برابر با ۱۸ دسامبر ۲۰۱۷                    
 
الإسلام إيديولوجيا وأداة في يد الطبقات المستغِلّة

الإسلام إيديولوجيا وأداة في يد الطبقات المستغِلّة
==========================
نسرين جزايرى (1)
(الفصل الرابع من كتاب " جمهورية إيران الإسلامية : مذابح للشيوعيين و قمع و إستغلال و تجويع للشعب")
===========================================================
كتب هذا المقال بطلب من "عالم نربحه " لمعالجة دور الإسلام كقوة سياسية فى عالم اليوم . إن التطرق للإسلام ليس سوى جزء من المهمة التي تواجه الثوريين بشأن الإنتعاشة الجديدة التي يشهدها الدين والتي كانت من غير المتوقع تصورها لبضعة عقود خلت. لقد أصبح الدين يعتبر شانا خاصا فى مناطق واسعة من العالم ويرجع ذلك جزئيا إلى إنتشار الإشتراكية و الماركسية العلمية . بيد أن العالم تغير حيث إنهزمت الثورة فى كل من الإتحاد السوفياتي والصين وتراجع مدّ موجة نضالات التحرر الوطني التي هزت الستينات هزا. ومن المهم الإشارة أيضا إلى أن العلم فقد المصداقية التى كان يتمتع بها بما أنه صار مقترنا فى أعين الملايين بأسلحة الدمار الشامل وببذخ الأغنياء ، بينما يرزح الفقراء تحت عبئ الإستغلال الفاحش نتيجة سياسة العولمة .
و بالتالي فإن الموجة الجديدة من التدين وثيقة الإرتباط بالهزائم التي منيت بها الثورة العالمية و الفظائع التي تعرضت لها الجماهير.
و ظل الحكام يستغلون الدين أيضا كسلاح فتعيين بوش الإبن المسيحيين الفاشيين فى مراكز هامة فى حكومة الولايات المتحدة يدل عل الأهمية التي يوليها الإمبرياليون الأمريكان لإستعمال الدين من اجل تبرير مشروعيتهم وتخدير الجماهير وإبعادها عن الأسباب الحقيقية الكامنة وراء فقرها وعذابها كما يهدف إستعمال الدين إلى تعبئة الرجعيين المتشدّدين وراء "جملة من قيم "الحكم البرجوازي. وبالضبط مثلما إستعمل هتلر معاداة السامية لتوحيد ألمانيا فى الحرب، فإن الإمبرياليين الأمريكان كذلك توجهوا للإيديولوجيا الأصولية المسيحية ليكيفوا أتباعهم وفق طموحاتهم الإمبريالية داخليا و خارجيا .
وهكذا دعا بوش إلى "حرب صليبية " ضد الأصوليين الإسلاميين من جهة وحث الصينيين في نفس الوقت على التشبث بالدين من جهة ثانية وفى نفس الوقت أحيى أعضاء مجلس الشيوخ المحترمين ذكرى ضحايا ال11 من سبتمبر بقراءة فقرات من الإنجيل يطلبون من خلالها الهداية. وبالفعل مقارنة بالدور الذي لعبه الدين لتغطية جرائم الرجعيين فإن المسيحية تظل دون منافس.
إن تركيز هذا المقال على الإسلام لا يعود إلى أي إعتقاد بأنه جوهريا مختلف عن الأديان الأخرى. بالعكس، من وجهة نظر إيديولوجية ، تتعاطى الماركسية مع الأديان على قدم المساواة. إلا أن للإسلام حاليا تأثير على قطاع هام من مضطهدي العالم. وعلى عكس الإمبرياليين الذين نعتوا الأصوليين الإسلاميين بالشوفينية ، يبحث الماويون عن إماطة اللثام عن المصالح الحقيقية التي تقف وراء القوى الدينية الإسلامية بهدف دفع الجماهير فى أجزاء هامة من الكوكب للقتال ضد الإمبرياليين و الرجعيين بأكثر تصميم و صرامة .
لقد لعبت الأحزاب والمجموعات السياسية الإسلامية التي تعارض الزمر الحاكمة فى الشرق الأوسط دورا كبيرا على المسرح السياسي طوال ثلاثة عقود. وإستطاعت هذه القوى الإسلامية التي تدعى معارضة القوى الإمبريالية الغربية و دولها العميلة فى الشرق الأوسط ، إستطاعت أحيانا وإلى درجة كبيرة أن تأثر فى القاعدة الإجتماعية للثورة الديمقراطية الجديدة والثورة الإشتراكية – العمال والفلاحون وأشباه البروليتاريين-. ولكن برنامجهم وفكرهم لا يمثلان مصالح الجماهير. مثّل توضيح هذه الحقيقة تحديا أمام القوى الشيوعية الثورية فى الشرق الأوسط إزاء مهمتها فى إستنهاض الجماهير و تنظيمها للنضال فى سبيل الإطاحة بالدول الرجعية وطرد الإمبريالية . لقد تبيّن من خلال التجربة فى كل من إيران و أفغانستان بشكل واضح أن الإسلام ليس بإيديولوجيا تحررية وأن البرامج السياسية والإقتصادية للقوى الإسلامية لا تمثل أية قطيعة مع المجتمعات الإضطهادية البشعة فى الشرق الأوسط ، شبه الإقطاعية وشبه المستعمرة صنيعة تحالف الإمبريالية مع الطبقات المحلية الرجعية الكمبرادورية-الإقطاعية .
مع ذلك مثلما قال ماو :"حيث لا تمر المكنسة ، لن يضمحل الغبار بمحض إرادته" . بعدُ لمدة طويلة ، حرفت القوى الإسلامية نضالات الجماهير المضطهَدة فى الشرق الأوسط وجعلت تضحياتها تذهب سدى . كما حاولت أن تبدد طاقتها الهائلة بقيود إيديولوجية دينية و برامج سياسية رجعية. بهذه الطريقة ، ساهمت القوى الإسلامية فى تأخير الثورات فى هذا الجزء من العالم ، مقدمة بذلك خدمة عظيمة للإمبريالية العالمية .
إضافة إلى ذلك ، وبمجرد أن تعلن الإمبريالية الأمريكية أخبث عدوّ للإنسانية على وجه الأرض اليوم ، أن الأصوليين الإسلاميين أعداؤها (رغم أن ذلك ، فى الواقع ، هجوم على جماهير المنطقة، بتعلة توجيه ضربات للمتعصبين الدينيين المسلحين) خلق مثل هذا الإعلان نوعا من الإنجذاب العفوي فى صلب جماهير "البلدان الإسلامية" نحو الإسلام لأن الجماهير عادة ما تساند عفويا كل من يهاجمه مضطهدوها . إلا أن الجماهير تحتاج إلى إيديولوجيا علمية ثورية بإمكانها إلحاق الهزيمة بالإمبريالية والتقدم بالنضال بإتجاه تحرير الإنسانية من براثن جميع أنواع الإضطهاد والإستغلال. ويطرح هذا الوضع بإلحاح المهمة المزدوجة التي تقع على كاهل الشيوعيين الثوريين في العالم : عليهم أن يتصدروا النضالات المناهضة للإمبريالية و أن يقودوا الجماهير نحو الإطاحة بسلطة الدول الرجعية والقيام بالثورة وفى الوقت نفسه، عليهم أن يشرحوا للجماهير بأكثر حزم أن إيديولوجيا الإسلام ( و كل إيديولوجيا إقطاعية و برجوازية أخرى ) تمثل حاجزا دون التحرر وهي غير قادرة على إلحاق الهزيمة بالإمبريالية. ومن اجل هزم النظام الإمبريالي،لا بد من إقناع الجماهير بأن برنامج الشيوعيين هو البرنامج التحرري الحقيقي فى العالم و فى تاريخ الإنسانية . إنها الإيديولوجيا الوحيدة التي يمكن أن توحد جماهير العالم بغض النظر عن دياناتها وعرقها وقوميتها وان تخوض صراعا ثوريا حقا ضد الإمبريالية – بالأساس الإمبريالية الأمريكية – وضد كل الدول الرجعية التي تهيمن اليوم فى البلدان العربية والبلدان إلاسلامية. إن خوض هذا الصراع الإيديولوجي جزء لا يتجزأ من القدرة على إستنهاض الجماهير بإتجاه ثورة حقيقية و حين تشهد الجماهير فعليا نماذج من الثورة الحقيقية سيتقلص تأثير الدين ككل .
1- المسار :
يمثل الإسلام السياسي المعاصر ظاهرة معقدة . فقد إستعملته قوى طبقية مختلفة –القوى الإستعمارية والإمبريالية الغربية والأنظمة الرجعية للبلدان الإسلامية، والقوى الرجعية المعارضة لهذه الأنظمة وأحيانا القوى القومية كوسيلة لتعبئة معارضة الجماهير للهيمنة الأجنبية. سيكون تركيزنا على الإسلام السياسي الذي إنتعش فى العقود الأخيرة فى بلدان الشرق الأوسط فى تعارض مع الأنظمة هناك والذي مثل بصورة عامة طموحات وأهداف قوى طبقية رجعية أزيحت من هياكل السلطة وعملت ولا تزال تعمل من أجل تبوء مواقع أفضل فى هياكل الدول القائمة. وبقدرما كانت الجماهير تنجذب إلى هذه القوى فإن ذلك لم يكن نتيجة أي نوع مما يسمى نهضة دينية وإنما يعود ذلك إلى رد فعلها إزاء الظروف القاسية وغير العادلة التي فرضتها الإمبريالية والأنظمة العميلة على الجماهير .
إن الإسلام السياسي ظاهرة جديدة . فقد ظهر الإسلام كبرنامج سياسي "عالمي" مستعملا الدين راية له. وأعلنه محمد من مكة بشبه الجزيرة العربية. ويعتبر ظهور الإسلام فى 610 ميلادي كنتيجة تاريخية خاصة بالظروف الإجتماعية السياسية التي حفت بذلك الجزء من العالم ككل .(2)
فى أوروبا ، إثر الثورات البرجوازية فى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر تقلص بالملموس دور الدين فى شؤون الدولة، فى حين أنه بقي ركيزة للدول فى البلدان الإقطاعية الإسلامية . فى المجتمعات الإسلامية ما قبل الإستعمار مثل العلماء (رجال الدين / الكهنوت الإسلاميين من المراتب العليا ) أحد ركيزتي سلطة الدولة – الركيزة الثانية كانت السلطان أو الملك. وهو ما حصل تقريبا في أوروبا حيث تقاسمت الملوكية والكنيسة السلطة لممارسة سياسة النهب الإقطاعي.
وأتى الإحتلال الإستعماري- الإمبريالي للبلدان العربية والإسلامية فى القرن التاسع عشر ليعيد تشكيل طبيعة هذه المجتمعات . (3) مع نهاية القرن التاسع عشر، تمت إعادة صياغة كافة العناصر الإقطاعية فى القاعدة الاقتصادية وفى البناء الفوقي الإجتماعي والسياسي لتلك المجتمعات فى إرتباط بالنظام الإمبريالي وفى خدمته. و على خلاف ما حصل فى أمريكا اللاتينية ، عوّل المستعمرون فى الشرق الأوسط على الدين المحلى ذاته فأعطى البريطانيون، خلال حروبهم لإخراج العثمانيين السُنّة من شبه الجزيرة العربية ، دورا سياسيا كبيرا للفرع الوهابي للإسلام فى العربية السعودية وإستعملوه كدِعامة أخلاقية فى حربهم وغزوهم الإستعماريين لدفع الإمبراطورية العثمانية خارج المنطقة. وإكتسب الفرع الوهابي للإسلام ومدينة مكة الأهمية الحالية كمركز للتجمع الإسلامي خاصة بعد تركيز مملكة آل سعود فى 1932 بإعانة من الاستعمار البريطاني. وكان العلماء الشيعة من أقرب حلفاء البريطانيين فى التنافس مع روسيا القيصرية الإستعمارية وفى بداية القرن التاسع عشر (1816) دفع البريطانيون نظام الشاه في إيران لإعلان الجهاد ضد روسيا فكتب أول كتاب تيولوجي عن الجهاد فى مدينة النجف فى العراق تحت أوامر الكهنة الشيعيين لخلق تعلة دينية لإعلان الحرب على قيصر روسيا . ويلخص المثال الشعبي الإيراني التحالف بين الملالى و البريطانيين كالتالي" كتب تحت عمامة كل ملًّة عبارة : صنع فى إنكلترا ".
عقب الحرب العالمية الأولى ، برز تيار كبير من الإسلام المعاصر فى مصر – الإخوان المسلمون – الذي أسسه حسن البنا (1906-1949). وصار فى ما بعد مصدر إلهام لقوى سياسية إسلامية أخرى تتطور فى بلدان أخرى يسيطر عليها السّنيون. جذب الإخوان المسلمون الأولون قطاعا من المثقفين لأنهم حددوا لأنفسهم مهمة إقتراح إيديولوجيا عصرية ومحلية، مناهضة للقيم الإستعمارية. فجذبوا العديد من القطاعات الجماهيرية بفعل البؤس الذي كان يتخبط فيه فقراء القاهرة. لكن البنا و الإخوان لم يدعوا أبدا إلى الإستجابة إلى المتطلبات الأساسية لتجاوز التخلف أي إجتثاث الإقطاع لا سيما بإستنهاض جماهير الفلاحين من أجل الثورة الزراعية وتحرير المرأة من النير البطريركي. وبالفعل، كان خطابهم مزدوجا : بالنسبة لجماهير الفقراء وجهوا نداء للعودة لمبادئ القرآن و الًسنّة (التقاليد الإسلامية ) كشفاء روحي ، و بالنسبة للمثقفين الذين أزعجتهم الهيمنة الأجنبية وتخلف مصر، وجهوا رسالة مختلفة : إسلام عصري يوفر هوية "محلية" "وطنية" بينما يسمح بإستعمال أدوات الإدارة الغربية في تسيير بلاد شبه إقطاعية شبه مستعمرة . وفعلا بينت تجربة الإخوان المسلمين أن بمقدور الإسلام ، مثله فى ذلك مثل كافة الأديان الأخرى ، أن يتأقلم مع مقتضيات الأشكال العصرية للإضطهاد و الإستغلال . وتبينت كذلك محدودية الراية الدينية مقارنة بالراية الثورية فى ما يتعلق بتجاوز الهيمنة الإستعمارية –الإمبريالية والتخلف الإقتصادي والسياسي .
خلال الخمسينات والستينات، كان الإسلام السياسي هامشيا للغاية مقارنة بالقوى المعارضة للوضع القائم. وبالفعل كان محل سخرية بإعتباره ورقة فى أيدي الأجانب. وجاءت فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية لتحدث تشكلا آخر لهذه المجتمعات. إذ شيدت القوى الإمبريالية هياكل دول جديدة شبه إقطاعية شبه مستعمرة فى هذه البلدان. وفى الوضع الجديد ، حصل الكهنة على حصة أصغر من السلطة. فنشأ تيار سياسي من المؤسسات الإسلامية فى مختلف بلدان الشرق الأوسط فى معارضة شديدة للأنظمة الحاكمة. ففضح الزمر الحاكمة وكذلك الإسلام الرسمي بإعتبارهما مصدر فساد وفى غير موضعهما. وفعلا تعود جذور الحركات السياسية الإسلامية المعاصرة بالأساس إلى تلك الفترة، وإن كانت مقدماتها الإيديولوجية بدأت تشكل فكرا سياسيا حتى قبل تلك الفترة.(4) (يركز هذا المقال نقده على القوى الإسلامية التي كانت سياسيا تتحدى الأنظمة في الشرق الأوسط الموالية للغرب مستعملة الراية الدينية للإسلام) .
و ينحدر قادة هذه الحركات الإسلامية وأهم كوادرها عموما من أولا رجال الدين الذين يطمحون إلى إسترجاع مكانتهم السالفة فى السلطة أو يبحثون عن مكانة أفضل فى النظام، وثانيا من المثقفين الغاضبين والمنتمين إلى الطبقة الوسطى وثالثا من شرائح من الطبقات الكمبرادورية- لإقطاعية التي أزيحت من هياكل الحكم (أي إنشقاقات داخل الطبقات المستغِلة والمالكة فى تلك المجتمعات ) . غير أن القاعدة أو جنود مشاتهم ينحدرون من الجماهير الحضرية النازحة واليائسة وهي جماهير إستحسنت موقع " المعارضة " من هؤلاء الرجعيين. إن ما يجعل هذه الحركات الإسلامية رجعية ليست بالأساس الجذور الطبقية لقياداتها وأهم كوادرها و إنما بالأحرى تسويقها لإيديولوجيا عتيقة – إيديولوجيا دينية- لا تعتمد على الواقع وبالتالي غير قادرة مطلقا على تغيير واقع العالم الراهن. وهي رجعية لأنها تريد أن تحافظ على نفس هيكلة المجتمعات الإضطهادية الطبقية ، مع جعلها فقط " أكثر إسلامية " ( بتطبيق الشريعة وهو القانون الإسلامي المرتكز على القرآن و على الحديث إثر وفاة محمد و الذي وقع تحيينه وتأويله عديد المرات من قبل كل فرقة إسلامية ) . وهذا لا يمكن أن يعني سوى تعزيز العناصر الإقطاعية – البطريركية فى المجتمع. وتدافع هذه الحركات فى مختلف أرجاء العالم الإسلامي عن فرع من الفروع المتنوعة من الإسلام– الشيعي أو السني مثلا. بيد أن جميعها تنخرط فى تبني جوهر الفكر الإسلامي – رغم بعض التلوينات الثانوية – و تدافع جميعها عن المجتمع الإسلامي المستقبلي بالإعتماد على النماذج القديمة التي أرساها رسول الإسلام والخلفاء. ويتم ذكر المجتمع الذي أقامه محمد، بوجه خاص، على أنه النموذج الأنسب لدى كافة التيارات. وتفسر جميع نكبات البلدان الإسلامية بأنها " إنحراف" عن النموذج السابق الذي هو حسب رأيهم فسد بعد فترة الخلفاء الأربعة الأولين (خلفاء محمد ).
لقد عارضت القوى الأصولية الإسلامية القوى الإمبريالية والزمر الحاكمة لتلك البلدان بخطاب حماسي وأحيانا بأعمال عنيفة. بيد أنه تجرى بسهولة عملية إستيعابهم ليتحولوا إلى الحراس الجدد الأشرس لذات النظام القديم. وشوهدت هذه الديناميكية بشكل كبير أثناء الحرب الباردة عندما إنطلقت الولايات المتحدة الأمريكية فى إستراتيجيا الحزام الأخضرلإستخدام البلدان الإسلامية ( يرمز للإسلام باللون الأخضر) كخط ممتد على طول الحدود الجنوبية للإتحاد السوفياتي، بغرض إيقاف خصمها الإمبريالية الإشتراكية وتفكيك أوصالها. وساعد الإمبرياليون الأمريكان التطور السريع للقوى الأصولية فى أفغانستان فى الثمانينات . والإمبرياليون الأمريكان وحلفاؤهم الأوروبيون هم الذين فسحوا المجال للخميني و كتائبه فى إيران ليجهضوا ثورة كبيرة هناك. وركزوا أنفسهم ، تحت غطاء زائف زمرة حاكمة جديدة أخمدت الثورة الحقيقية وإقترفوا مجازرا بحق القوى الثورية والشيوعية. وينبغي أن يعلم الرأي العام أن هزيمة ثورة 1979 فى إيران وتركيز نظام أوتوقراطي ، كانت إفرازا للتعاون بين القوى الإمبريالية الغربية والقوى الأصولية الإسلامية فى إيران. وكان الجنرال الأمريكي هويتز على حق حينما قال :" خلعنا الشاه و نصبنا الخميني" ( أنظروا قراءة فى كتابه حول الثورة الإيرانية فى "عالم نربحه" 6/1986 ) وطوال ال25 سنة الأخيرة ، موّل الإمبرياليون الأمريكان أكبر جهاد إسلامي– حرب الأصوليين الإسلاميين- فى أفغانستان ( الاسم الذي إشتقوه لأنفسهم هو المجاهدون وهو يعنى بالعربية المقاتلون ) ضد الإتحاد السوفياتي . ونزعت تجربة العقدين الأخيرين قناع القوى الإسلامية و بينت أنها ليست ثورية و أنها غير معادية للإمبريالية. إن الإسلام إيديولوجيا وأداة المستغِلّين ولا يمكنه إلا أن يكون كذلك.


2- نظرة الحركات الإسلامية المعاصرة للعالم و موقفها و برنامجها السياسي وإستراتيجيتها السياسية :

يستعمل القادة السياسيون والإيديولوجيون للحركات الإسلامية عديد المفاهيم المحددة من أجل بناء الهيكل الفكري والنظري و تعبئة الجماهير وإضفاء الشرعية على برنامجهم. إن إستعمال المفاهيم الأساسية للإسلام والإلتجاء إلى خرافات الماضي يسمح للإخوان بإخفاء حقيقة أفكارهم وبرنامجهم عن أعين الجماهير المحبطة. ومن الضروري أن نكشف للعيون الطبيعة الطبقية لنظرتهم و لبرنامجهم : إن نظرة الإخوان للعالم وطموحاتهم وأفعالهم تمثل قوى طبقية معينة فى المجتمعات الإسلامية .
و بالفعل لننطلق بالضبط من مفهوم الطبقات.
الأمة:
لا وجود للواقع الحالي في جوهر أفكار هذه الحركات لواقع أنّ جميع المجتمعات منقسمة إلى طبقات وأن الشعب فى كافة أنحاء العالم ينقسم أولا و قبل كل شيء إلى طبقات حسب علاقتها بأهم وسائل الإنتاج . ونجد مفهوم الأمة فى الفكر الإسلامي عوضا عن مفهوم الطبقات – والأمة هي مجموعة المؤمنين ، بغض النظر عن الطبقة التي ينتمون إليها. ويخفي مفهوم الأمة هذا إنقسام المجتمعات بصورة حادة إلى طبقات متصارعة، لها مصالح متناقضة إقتصاديا وسياسيا. بإمكان الملاكين الإقطاعيين الكبار والصناعيين الكبار وتجار البازار وكذلك البروليتاريين الذين ليس لديهم ما يخسرونه والفلاحين المفقرين – بإختصار المستغِل و المستغل – بإمكانهم أن يكونوا جزءا من الأمة الإسلامية .
فى ظل حكم محمد ، مؤسس الإسلام ، كان يعد جزءا من الأمة أولئك الذين إتحدوا معه فى صراعه من أجل السلطة. فى بداية سعيه لإفتكاك السلطة ، تحولت مكونات الأمة وفق الحاجيات السياسية لتلك الفترة. فقد أدخل كجزء من الأمة حتى يهود المدينة الذين إتحدوا معه فى صراع معارضيه فى مكة. وحتى حينها ، كانت أمته منقسمة إلى طبقات. لقد كتب محمد و أصحابه القرآن (كتاب الإسلامي) لإدارة المجتمع الجديد الذي بناه من العرب الرحل المتفرقين. ويكشف القرآن بوضوح الفروق الطبقية والإجتماعية فى صفوف الأمة : اذ نجد من يملك و من لا يملك شيئا وهناك العبيد ومالكي العبيد وثمة النساء الممتلكات والمرتبطات والمطيعات تماما للرجال وكما نجد المحاربين الذين يتقاسمون غنيمة الغزوات ولهم مكانة إقتصادية وسياسية أعلى وثمة آخرون يفلحون الأرض و يوفرون الأنعام للعامة. وهنالك الإنقسام الكبير بين الأمة وغير الأمة : يستطيع مقاتلو الأمة أن يجعلوا من الأسرى عبيدا ويجعلوا من نساء الأسرى سريات لهم .هذا مجتمع بشع. لقد بني محمد سلطة دولة جديدة ودينا منظما جديدا لتعزيز العلاقات الإستغلالية الجديدة و كذلك علاقات الهيمنة على شعوب البلدان الأجنبية فى الحرب ودمجها لتوسيع الإمبراطورية الإسلامية . ويهدف إستعمال الحركات الإسلامية لمفهوم الأمة فى الزمن المعاصر إلى تعبئة الجماهير تحت رايتها وإلى كسب شرعية لقضيتها ، بينما تظل الجماهير غير واعية بالمصالح الطبقية التي تدافع عنها هذه الحركات.
ليس مفهوم الأمة مفهوما للوفاق الطبقي فحسب بل إنه كذلك مفهوم غير علمي.
إن إخفاء المصالح الطبقية العدائية ليس بظاهرة جديدة إذ إتضح عبر تاريخ الصراع الطبقي أن الطبقات الحاكمة والمحضوضة تكذب على المحرومين بإدعائها التالي: " مصالحنا هي مصالحكم " . إنها الديماغوجيا التي تستعملها القوى الإمبريالية والدول الرجعية على الدوام . وحتى البرجوازيات الأوروبية الصاعدة فى القرن الثامن عشر ، نادت ب"عالمية " رؤيتها و أهدافها. وفي ظل الأمم المضطهَدة، يستعمل الممثلون السياسيون للطبقات البرجوازية الصغيرة و الملاك العقاريون، الذين ينشدون التحول إلى جزء من هيكلة السلطة، يستعملون هذا الخط لكسب ثقة الجماهير. ويظل مفهوم الأمة أداة بأيدي القوى الرجعية عموما ووسيلة تستخدم من اجل الرجوع إلى السلطة بإستعمال الجماهير.هناك بالطبع وحدة الأمة لكنها تتحقق على حساب مصالح الشعب وتحت أوامر آيات الله- الموالي.
وحدة الأمة العالمية :
تنادي الحركات الإسلامية بالوحدة العالمية على أساس الأمة. أولا إن هذا المشروع مستحيل لأن أمة الإسلام منقسمة إلى العشرات من الفرق المختلفة – إذ تفرع الإسلام منذ بداياته الأولى. لننظر إلى الخصام الذي حصل بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية وإخوانها طالبان في أفغانستان. وداخل إيران، يضطهِد الحكام الشيعة السنيين وفى أفغانستان، تتقاتل الأحزاب السنية والوهابية والشيعية. وفى لبنان ، حزب الله ، (وهو أيضا مشتق من اسم الأصوليين الإسلاميين ) يدعى أنه يقاتل من أجل تحرير فلسطين غير أنه لا يقدر حتى على الإقتراب من اللاجئين الفلسطينيين فى لبنان لأن المسلمين الفلسطينيين من السُنّة و حزب الله شيعي. ثانيا ، إن الوحدة الإسلامية العالمية وحدة رجعية . إنها تدعو الناس للإعتقاد فى كائن ماورائي وإلى الوحدة على أساس عقيدة دينية تركزت قبل أربع عشرة قرنا . وهي رجعية لأنها تقسم صفوف الشعوب المضطهَدة فى العالم ، هذه الشعوب التي لها نفس العدو المشترك ، الإمبريالية العالمية. ولا يستطيع الإسلام حتى أن يوحد المضطهدين فى بلد واحد ضد الهيمنة الإمبريالية فما بالك بتوحيد مضطهدي بلدان أخرى. وداخل الأمم المضطهَدة هناك أناس يعتنقون أديانا مختلفة. لننظر إلى فلسطين: هنالك مسيحيون و مثلما هنالك مسلمون يشكلون الشعب الفلسطيني. كيف يمكن لحماس (حزب إسلامي فى فلسطين ) أن توحد الفلسطينيين ضد العدو المشترك ،"إسرائيل" الإستعمارية ؟ لا يمكنها ولن تستطيع. وبالفعل، مثلت حماس حاجزا دون هذه الوحدة. لكن بإمكان البروليتاريا في مصر وإيران والبيرو وإسبانيا والولايات المتحدة أن تتوحد وينبغي عليها أن تتحد ضد عدوها المشترك ومن اجل مستقبل مشترك بينما لا ينبغي أن تتحد مع الرأسماليين والإقطاعيين الكبار فى بلادها على أية قاعدة مهما كانت طبيعتها دينية أو غير دينية. ستكون الدعوة إلى وحدة إسلامية عالمية ورقة في أيدي القوى الإمبريالية – خصوصا الإمبريالية الأمريكية –التي تدعو الجماهير فى الغرب إلى الإتحاد معها على أساس "صراع الحضارات" – الحضارة الغربية القائمة على التقاليد اليهو- مسيحية ، مقابل الحضارات الأخرى مثل "الحضارة الإسلامية " و "الحضارة الصينية " الخ.
ومن قبيل السخرية والنفاق يعقد دعاة الأمة دون حرج صفقات الوحدة ويحبكون المؤامرات السياسية مع القوى الإمبريالية والدول الرجعية. لنأخذ مثال الجمهورية الإسلامية الإيرانية، أول دولة عصرية أنشأتها الحركة الإسلامية فقد صرح الرئيس ريغان مرة :" إن آيات الله أصدقاؤنا ". و كان على صواب إذ فى ظل نظامه تدفق البترول – حجر زاوية إندماج إيران فى النظام الرأسمالي العالمي – ولم يتعطل ولو ليوم واحد . لقد قضت الجمهورية الإسلامية فى ظل قيادة آية الله الخميني ، على محاولات عمال البترول الوقوف ضد سلب الشركات الغربية لمنابع البترول واليوم بعد أكثر من عقدين ، لا يزال الإقتصاد الإيراني شديد الإرتباط ببيع البترول فى السوق العالمي ، بمبيعات تفوق ال20 مليار سنويا . وإن بدت العلاقات مع الولايات المتحدة مقطوعة، فإن الجمهورية الإسلامية الإيرانية قدمت كافة خدماتها للقوى الغربية و للنظام الرأسمالي العالمي عبر الدول الأوروبية. وقد أنجزت عمليات تغطية ثنائية مع س. آي .آي. الولايات المتحدة لتساعد على تمويل الكنتراس سيئي الصيت (5) ضد شعب نيكاراغوا و النظام السنديني. وإستمرت سريا فى علاقاتها مع الحكومة الإسرائيلية بينما كانت تندد بالقوى الثورية فى إيران على أنها "عميلة الصهيونية" .
و تنطبق هذه الصورة أيضا على المجموعات الإسلامية الناشطة فى بلدان أخرى. لنأخذ مثال الحكام الإسلاميين المختلطين فى أفغانستان ،الذين كانوا من أقرب حلفاء الإمبريالية الأمريكية ودول رجعية أخرى ، كالباكستان والعربية السعودية . وفق بن لادن زعيم القاعدة ، يعتبر الملك السعودي جزءا من الأمة طالما لم تكن القوى العسكرية الأمريكية حاضرة فوق البترول السعودي . أما بالنسبة للشيوعيين الثوريين، فإن الملك السعودي عميل للإمبريالية الأمريكية والعربية السعودية مستعمرة جديدة للولايات المتحدة قبل وبعد حضور القوى العسكرية الأمريكية هناك سنة1990. لم يكن النظام السعودي و لن يكون جزءا من الشعب و كان على الدوام زمرة من المستغِلّين الفاسدين ينبغي الإطاحة بها .
يستخدم مفهوم الأمة كتكتيك لتشكيل جبهة متحدة رجعية للطبقات الإقطاعية والرأسمالية الكبرى التي تصارع من أجل مواقع أفضل في ظل الأنظمة القائمة وفي عيون القوى الإمبريالية .
لقد نجح نسبيا قادة الحركات الإسلامية في نشر مفهوم الأمة ( أو إستراتيجيا الجبهة المتحدة ) حتى و إن كان ذلك على حساب جماهير العمال و الفلاحين و كافة المضطهدين. ويوفر الإضطهاد الوطني للبلدان المسلمة ( من قبل الإستعمار والإمبريالية متداخلين مع البنية شبه الإقطاعية المهيمنة على هذه المجتمعات ) القاعدة الأساسية لإستراتيجيا الأمة لكسب بعض الأتباع ضمن الجماهير المضطهَدة خاصة وان الهيكلة شبه الإقطاعية تعنى فى حد ذاتها تواصل سيطرة عقلية الولاءات القبلية – والعلاقات الدينية- فى صفوف الشعب.
لقد رفضت القوى الإسلامية وحتى القومية اللائكية مفهوم الصراع الطبقي الذي تطور لدى الحركات السياسية في الأمم المضطهدة لان هذه القوى لا تعارض الإضطهاد والإستغلال الطبقيين . إنها تدافع عن حق الإقطاعيين الملاك العقاريين الكبار فى إمتلاك الأرض وإستغلال الفلاحين الفقراء و المحرومين من الأرض و تدافع عن الملكية الرأسمالية لوسائل الإنتاج وعن إستغلال العمال . إنها تدافع عن كافة أنواع العلاقات الإجتماعية الإضطهادية – وعلى رأسها إخضاع النساء للرجال . إنها تنعت القوى الغربية بالإمبريالية حينما لا تقدم لها هذه القوى مجالا كافيا لتطبيق أنظمتها الإجتماعية الإضطهادية .
يطرح الإضطهاد الإمبريالي لهذه الأمم ضرورة تشكيل الجبهة الوطنية الموحدة ضد الإمبريالية، وبينت التجربة أنه إذا تمت هذه الوحدة تحت قيادة القوى الإقطاعية – القبلية والقوى البرجوازية، فإنها تتجه نحو بيع جماهير العمال و الفلاحين ونحو الخيانة الوطنية. إن قيادة الجبهة المتحدة ضد الإمبريالية قضية حياة أو موت بالنسبة لبرنامج الشيوعيين والحركة الوطنية اذ لا يمكن الحديث عن التحرر من النير الإمبريالي إذا فشلت الحركة الشيوعية في قيادة الجبهة لأن القوى الإسلامية وحتى القوى البرجوازية – الوطنية اللائكية غير قادرة، في عصر الامبريالية، على إنجاز المهام التحررية.
كما بينت التجربة على نحو واسع ، تنزع كافة هذه القوى إلى الإتحاد مع الإمبرياليين لأجل القضاء على القوى الثورية والعمال و الفلاحين والنساء والمثقفين التقدميين . وكملاك عبيد صغار ، تنزع دائما إلى الإتحاد مع ملاك العبيد الكبار. فى مكة قبل 1400 سنة ، نادى محمد بالوحدة على أساس عقيدة عالمية جديدة لأجل رأب الإنقسامات القبلية وبناء دولة موحدة فى شبه الجزيرة العربية . واليوم ما عاد أفراد المجتمعات الإسلامية منقسمين إلى قبائل. إنهم منقسمون إلى طبقات جراء الإستغلال الإقطاعي و الرأسمالي وهم فى الوقت ذاته يخضعون لإضطهاد الأمم الإمبريالية . واليوم ، يكمن الحل الوحيد لتجاوز هذه الانقسامات في إنجاز الثورات الديمقراطية الجديدة وفي التحول الإشتراكي .
الفتنة : ليس للشعب الحق فى الثورة :
الفتنة (الإنشقاق والتآمر) مفهوم آخر يستعمله الإسلاميون. أية محاولة لشق الأمة يسمى فتنة . لذا يمثل التحليل الطبقي العلمي أكبر فتنة ! وتسمى جميع الحجج أعلاه فتنة لأنها تكشف أن الأمة ليست وحدة غير قابلة للإنقسام. ففي الجمهورية الإسلامية الإيرانية مثلا ، نعتت إضرابات العمال ونضالات الأكراد المضطهَدين والنساء المضطهَدات من أجل حقوقهم بأنها فتن كبرى . ولا يسمح بأية محاولة تقوم بها الجماهير لتمسك مصيرها بيدها. لقد إعتبرت التحركات السياسية خلال ثورة 1979 وبعدها التي قامت بها جماهير العمال والفلاحين والمثقفين الثوريين والنساء إعتبرت فتنة من قبل آيات الله وخطرا على الإسلام وقمع الخميني كل هذه الفتن ليوطد حكمه الرجعي .
إن الإسلام ،شأنه فى ذلك شأن أي ديانة عموما ، بما فى ذلك الديانات الأخرى البراهمانية والمسيحية واليهودية ، يرتعد أمام النقد و التجديد و أي شيء يهز التفكير العقيم ،الساذج والجامد. فهو يسمح بالتفكير فى العلوم الصحيحة والعلوم الطبية لكن لن يسمح بالتفكير أبدا فى العلوم الإجتماعية وفي تاريخ نشأة الإنسان والمجتمع الإنساني و خلق الإنسان للديانات وللآلهة فى فترة تاريخية معينة من تطور قوى الإنتاج, تعد كل هذه المواضيع من المحرمات والمسائل المرفوضة فى مدارس الجماعات الإسلامية . وذلك لأن الإسلام ، شأنه فى ذلك شأن جميع الأديان الأخرى ، يدعى كونه شامل لكل الأزمنة . تواجه الإيديولوجيا المتجمدة العالم المحركة والمتغير بإستمرار بمفاهيم جامدة وتعالج تطور المعرفة الإنسانية بمفاهيم تشبه مفاهيم محاكم التفتيش المسيحية التي تسمى فى الإسلام بالنفاق (الإنشقاق ) أو الكفر(6) . وكل تجديد فى الفكر الإسلامي المهيمن يسمى إنشقاق أو ثورة . فالخميني لم يقبل حتى ب"التجديدات" الدنيا التي أدخلها علي شريعاتي (مصلح الديانة الشيعية ) (7) أو تنظيم مجاهدي خلق فى إيران على عقيدة الإسلام . لقد وصفهم بالمنافقين (إنشقاقيين) . ولكل فرقة إسلامية إنشقاقييها وشهد التاريخ الإسلامي العديد من الحروب ضد المنافقين ضمن فروع مختلفة. فمفردة كافر تستعمل بالنسبة ل "المارقين " الذين ليسوا إسلاميين أو الذين ينقدون التفكير الديني. و كل من يسعى لنقد ركائز الإسلام، فهو كافر ويمكن عقابه بالموت. وعلى عكس ما يدعيه ما يسمون ب" القوى الإسلامية المعتدلة " ، فإن هذا القانون وارد فى القرآن . فالشيوعيون كفرة .
ويعتبر إغتيال المثقفين والأدباء القيمين وصمة عار في التاريخ المعاصر للحركة الإسلامية فى كل من البلدان العربية الإسلامية وغيرها. فقد مثل إغتيال كسراوى مثلا,من قبل الحركة الإسلامية الإيرانية السرية ، مأساة وطنية. إذ كان كسراوى من أوائل النقاد العصريين ومؤرخا وكانت مؤلفاته الممتازة حول تاريخ الثورة الدستورية الإيرانية فى 1905 كنوزا بالنسبة لتاريخ الشعب فى إيران. لقد قتله أتباع آية الله الخميني لأن نقده للظلامية الدينية ولجهاز الكهنوت الرجعي فى إيران كان جريئا وعلنيا. واليوم، تقدم الجمهورية الإسلامية الإيرانية المجرم على أنه بطل. ومثل القضاء الصارم على المثقفين الشعبيين أو دفعهم نحو الهجرة من قبل الجمهورية الإسلامية الإيرانية مثل مأساة وطنية بالنسبة لإيران. كما وقع إغتيال العديد من الكتاب و الفنانين من قيل متعصبي حزب الله فى البلدان العربية: الدكتور حسين مروّة فى 1987 وبعد أسابيع الدكتور مهدي عامل . هذا إضافة إلى إغتيال الفنان الكاريكاتوري الفلسطيني الشهير و الجريء ناجي العلي ، و إغتيال طهران درسون فى بدايات التسعينات فى تركيا . لقد وقع إتهام جميع هؤلاء المثقفين بخدمة الصهيونية ، بينما شكل القضاء عليهم قمة الخيانة الوطنية من قبل الإسلاميين .إن هؤلاء الأرهاط، هم الذين يخدمون الإستعماريين الصهاينة.
فى ظل القانون الإسلامي ، يحكم بالإعدام على المنافقين ، وعلى المسلمين الذين غيروا ديانتهم أو أصبحوا ملحدين. وفى ظل حكم الخميني ،تم إعدام آلاف الشيوعيين ومسلمين من شاكلة مجاهدي خلق الذين ناضلوا في اغلبهم من أجل الإطاحة بنظام الشاه . وحكم بالموت مرتين على الشيوعيين الذين خاضوا نضالا مسلحا ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية: مرة على أنهم زنادقة و مرة ثانية على أنهم ثاروا على الله.
تقليد : القادة و الجماهير :
التقليد يعنى طاعة آية الله الكبير (8) فى كل مظاهر الحياة . إنه مفهوم شيعي أساسا لكن له تلوينات موجودة فى الفروع الأخرى من الإسلام كذلك .ويعامل هذا المفهوم الرجعي الجماهير كقطيع في حاجة إلى راعي فهو يبيّن أن الإسلام لا يسمح بوجود جماهير واعية قادرة على اخذ مصيرها بيدها وعلى النضال من اجل مصالحها الخاصة. إن الرعاة هم آيات الله أو الأئمة (القادة المعصومين من الخطأ الذين يختاروهم آيات الله ) و الذين توكل إليهم مهمة التفكير بإسم الجماهير التي لا حق لها في التفكير كما يحدد هؤلاء كل التفاصيل المتعلقة بحياة الجماهير اليومية ويقع مراقبة مدى تنفيذ الأوامر. ويهدف مفهوم التقليد وطاعة الإمام إلى تكريس هذه العلاقة الرجعية بين الجماهير والقادة الذين من المفروض أن يكونوا رجال الله على الأرض. ان الإسلام لا يؤمن بما نسميه نحن الشيوعيون " الخط الجماهيري" ولا بمفهوم "الجماهير هي صانعة التاريخ " ولا أي شيء يشبه النظرة البرجوازية الصاعدة حول قدرات الإنسان الخلاقة على التفكير بصورة منطقية وعلى التصرف بإستقلالية ، دون التعويل على الكنيسة وعلى الله . فى أواسط الثمانينات ، نشر الدكتور حميد العودي ، أستاذ فى جامعة صنعاء ، عاصمة اليمن ، بحثه بصدد النظام الفلاحي القديم فى اليمن مبينا أنه كسب عظيم لجماهير المنطقة فهاجمته القوى الإسلامية بشدة و أدعت أن كافة ما يوجد على الأرض من عمل الإله و خلقه وان إعادة الإعتبار للجماهير يعتبر كفرا. ( أنظر "سلمان رشدى و حقيقة الأدب "، الدكتور صادق جلال العظم ) .
لذا يتعين على آيات الله أن يرعوا الناس فى روتينهم اليومي . ولكل آية من آيات الله كتبه الخاصة تصف بالتفصيل التصرف اليومي والبعيد المدى لأتباعهم وتتضمن معظمها الأوامر الأكثر إضطهادا ورجعية ضد النساء. هؤلاء الموالي الطفيليين الذين لم يستعملوا أبدا أيديهم لكسب قوتهم يقضون اليوم فى نقاشات دينية لإصدار أوامر بالية تهدف إلى إبقاء الجماهير خانعة وجاهلة .
الجهاد و الشهادة :
إن الجهاد أحد أهم ركائز الإسلام وفريضة على كل مسلم. إنه يعنى خوض الحرب فى سبيل الله : الجهاد فى سبيل الله. لكن ما معنى الجهاد، وضد من يجب خوضه وماذا يجب أن نفعل في الدنيا ؟ ما هي طبيعة الجهاد فى فلسطين ؟ هل هي حرب وطنية لإستعادة الأرض المسلوبة من الفلاحين و الشعب من قبل المستعمرين أم هي حرب دينية لإستعادة الأماكن المقدسة ؟ ماهي طبيعة الجهاد فى الجزائر؟ و لماذا يريد الإله ( أو ممثلوه ) سفك دماء آلاف الفلاحين بإسم الجهاد؟
توضح أهداف الحرب وكيفية خوضها طبيعية المجتمع الذي سينشأ عنها. وبما أن الأصوليين الإسلاميين يريدون العودة إلى الأصول لنلقى نظرة على زمن محمد. من بداياته الأولى، حمل الجهاد طابعا سياسيا واضحا. فقد خاض محمد 65 حربا فى تسع سنوات ليقيم دولة جديدة ذات علاقات إقتصادية وسياسية جديدة . وصيغت في هذا الموضوع آنذاك عديد السور القرآنية. فى ما بعد ، قام أتباعه بالجهاد لأجل توسيع الإمبراطورية الإقطاعية للإسلام نحو أجزاء أخرى من العالم. ومن اجل تعبئة الجماهير كجنود مشاة ولكسب مشروعية إفتكاك السلطة ، كان على محمد أن يخفي طبيعة الحرب بجمل روحانية دينية تثبت أن الجهاد فرضه كائن ماورائي. وكان عليه أن يجعل وعوده قابلة للتحقيق على المدى القصير وعلى المدى البعيد فأولئك الذين يخوضون الجهاد و لا يموتون يتقاسمون غنائم الحرب ، والذين يموتون فى الجهاد يذهبون إلى الجنة . هذا أمر مضمون . وهنالك فى الجنة طبعا أنواع السلع المادية " الأفضل" بما فى ذلك عديد" النساء العذراوات " و الأطفال الصغار فى خدمة الرجال. وليس هذا سوى تخدير ورشوة للجنود فى سيبل الله. و فى الجهاد إذا لم يقبل المهزومون دفع جزية يقتلون و يؤخذ أطفالهم ليصبحوا عبيدا . هذا هو المجتمع الذي كان يعد به الجهاد.
فى الفكر الإسلامي، لا وجود لأي مفهوم من المفاهيم المعاصرة مثل " الحرب مواصلة للسياسة بوسائل أخرى " و " الصراع الطبقي " و " الحرب الوطنية ". هنالك فقط حرب بين " المؤمنين " والآخرين أي دار الإسلام ضد دار الحرب (أرض الإسلام ضد أرض غير المؤمنين). لكن هذا لا يعنى أن الحركات الأصولية الإسلامية ليست لها أهداف سياسية من جهادها. إنها تزرع الغموض لدى الجماهير الفاقدة للأمل بغاية مغالطتها. ففي أفغانستان مثلا, أثناء الحرب المناهضة للسوفيات ، كان المجاهدون الأفغان وأسامة بن لادن يقولون للجماهير إنهم " يقاتلون فى سبيل الله" . غير أن الحقيقة تفيد أنهم "يقاتلون فى سبيل الس آي آي ". وبالرغم من كل الضبابية والدعايات الكاذبة, فإن قوى مثل بن لادن و الجمهورية الإسلامية الإيرانية ستكون دوما عميلة ومجرد جنود للقوى الرجعية في العالم .
ما فتأت بعض الجماعات الإسلامية تنادى إلى الجهاد ضد القوى الإمبريالية لأن الإمبرياليين "غير مؤمنين" هيمنوا على البلدان الإسلامية. غير أن صراع الجهاد ضد الإمبرياليين خدعة ولا علاقة له بالحروب الظافرة ضد القوى الإمبريالية مثل الثورة الروسية العظمى لسنة 1917 والثورة الصينية سنة 1949، والهزيمة التي لحقت بالجيش الأمريكي فى 1953 على أيدى الشعب الكوري والجيش الأحمر الصيني فى الحرب الكورية وفى الأخير الهزيمة النكراء للجيش الأمريكي على أيدي الفيتناميين . واليوم ، تتطور حرب الشعب فى البيرو وفى النيبال عبر منعرجات على قاعدة إستراتيجيا بإمكانها تحقيق إنتصار حرب الشعب و حتى قبل الإنتصار النهائي فقد أرست قواعد إرتكاز حيث تمارس الجماهير السلطة السياسية . وإنتصار حرب الشعب لا يعوَّل فيه على أي إلاه و إنما على الشعب – على إستراتيجيا طورتها البروليتاريا فى القرن العشرين وأثبتت الممارسة صحتها وعلى التطبيق الخلاق لهذه الإستراتيجيا بالإعتماد على الشعب صانع التاريخ وعلى قيادة الحزب الشيوعي.
بعيدا عن بث الرعب فى قلوب القوى الإمبريالية ، نجح جهاد الأصوليين الإسلاميين بالأساس فى تعريض الجماهير الشعبية للإرهاب كما حصل ذلك في إيران وأفغانستان والجزائر. فكم قتل جهاد الجماعات الإسلامية من العسكريين في الجيش الجزائري والسعودي والمصري ؟ عدد ليس كبيرا بالمرة. وفي المقابل، حصلت مجازر بالجملة للمساجين السياسيين من قبل الخميني فى 1987 ومجزرة الشعب الكردي فى إيران ، وتم حرق أوساط مجموعات الأقليات الدينية ونهبها ،على غرار ما حدث للبهائيين والإغتيالات السرية للمثقفين التقدميين ومنع نشر أعمالهم ودبرت المجازر بالجملة فى بعض قرى الجزائرعلى أيدي الجبهة الإسلامية للإنقاذ . وفى أفغانستان تسبب الغزو المتبادل بين طالبان وتحالف الشمال لمناطق كل منهما فى العشرية الأخيرة فى قتل بلا تمييز للجماهير وإغتصاب البنات الصغار و النساء كثمن للجهاد – هذا هو ، الحمد لله ، الجهاد المثمر. ولا يجب أن ننسى الجهاد الكبير للعشريتين الأخيرتين ألا وهو الحرب بين إيران والعراق . تمت حرب المجاهدين الأفغان ضد جيش الإحتلال السوفياتي بمساعدة القوى الإمبريالية الغربية وبالأسلحة " التي بعثها الله " المتأتية من ذخيرة القوى الإمبريالية الغربية وبإعانة أقمارها الصناعية الإستخباراتية . يبين العالم بصورة واسعة أن السلطة تنبع من فوهة البندقية لكن ما يجعل الجهاد رجعيا هو أهدافه السياسية والإجتماعية والأساليب المستعملة.(9)
فى الثمانينات ، نادت الحركات الأصولية الإسلامية بالجهاد من أجل إفتكاك السلطة السياسية وتركيز مجتمعات تحكمها الشريعة الإسلامية إلا أن نداءاتها تغيرت إلى حد ما . فالآن غالبيتها تنادى للجهاد كطريقة لتوجيه ضربات موجعة لأعداء الإسلام ومن أجل البحث عن تطهير النفس الإسلامي. نجاح الجهاد ما عاد مضمونا ، لكن يقال إن الانتصار سيتحقق متى أراد الله– التوفيق من الله . هذا النوع من الحديث المتطيّر يبدو صدى لسياسات حالية عصرية . إنها تقول للجماهير " دعونا نستعملكم بفعالية و لا تسألوننا لماذا لا تتغير الأشياء أو متى يأتي الإنتصار". ويرجع ذلك إلى تحوليين إثنين أثرا فى آفاق الحركات الأصولية الإسلامية . 1) لقد فقدت هذه الحركات أكبر حلفائها من ضمن القوى الإمبريالية بعيد الحرب الباردة. و 2) أفلست الدول الإسلامية فى إيران و أفغانستان حيث لم يتواصل الفقر والتبعية للإمبريالية وجميع أنواع غياب العدالة الإجتماعية بالنسبة لغالبية الجماهير فحسب بل إن تطبيق الشريعة زاد في تأزم الوضع. لقد بينت هذه المشاريع الإسلامية أن المجتمع الإسلامي الموعود ليس جنة بل تواصلا للتخلف والفقر ونشر الجهل وكافة ألوان التفرقة وكذلك تواصلا للهيمنة و الإذلال.
ونجد إلى جانب الجهاد مفهوم الشهادة أو الإستشهاد من أجل قضية، وهو مفهوم يختلف كليا عن المفهوم الثوري للجرأة والإستعداد للتضحية بالحياة من أجل الثورة . إن المفهوم الثوري يعني خدمة الهدف الواضح لبلوغ الإنتصار– إفتكاك السلطة السياسية للعمال والفلاحين وكافة الجماهير المضطهَدة الأخرى والإطاحة بالملكية الفردية لوسائل الإنتاج والقضاء على إستغلال الإنسان للإنسان. أما الشهادة فتعتبر الهدف السياسي الدنيوي ثانويا للغاية وتركز على التحول إلى جوار الله و إلى الجنة وتمثل الشهادة فى الإسلام الهدف الأسمى للجهاد.
إن الإستشهاد غاية في حد ذاتها إذ يسافر الشهيد إلى عالم آخر حيث يضمن العافية والسعادة وهذا ما يجعل عقيدة الشهادة رجعية .
توفر الظروف القاسية التي تعيشها الجماهير للإخوان تعلات كافية لضرب العدو بأية وسائل ممكنة. وفعلا ، فى فلسطين لا تفعل مجموعة حماس الإسلامية ، بتشجيعها على سلسلة من العمليات الإنتحارية سوى التنفيس عن غضب الجماهير وإبقائها متفرجة على أعمال فردية مهما كانت رائعة عوض إتخاذ الطريق الأصعب ، وهو طريق يربي الجماهير على المساهمة بنشاط فى نضال مسلح جماعي ومستمر. فالشهادة تغذي اليأس وتفقد الجماهيراللأمل فى إمكانية تغييرها للعالم. تحتاج الجماهير إلى إيديولوجيا ثورية وعلمية ترفع من نظرتها وتنيرها حول الإستراتيجيات الحربية القادرة على الظفر ضد أعدائها الأقوياء. و لا تحتاج جماهير بلدان الشرق الأوسط إلى الجهاد . باعتباره نتاج لمجتمع إضطهادي قديم ، لن يفرز إلا مزيدا من العذاب . إضافة إلى ذلك ، ومع ما يحمله الجهاد من شعوذة وخرافة ، تظل الجماهير سجينة هذه الأفكار غير قادرة على التخلص من سلط دول رجعية قوية ومن أسيادها الإمبرياليين . فالجماهير في حاجة إلى أن ترى عمليا كيف يمكن الإطاحة بعدو فى مثل قوة القوى الإمبريالية عبر إستراتيجيا صحيحة . ومن أجل هزم العدو لا بد من تدريب الجماهير على ممارسة السلطة شبرا شبرا وفق إستراتيجيا طويلة الأمد تتطلب الصمود والتضحية. لكن التضحية بحياة الفرد ليست الغاية لأن الهدف هو قتل العدو وتحطيم نظام الإستغلال بتحطيم القوى التي تحرسه – وفى الصدارة نجد قوى الدولة و جيوشها.
تقَدم الإيديولوجيا الدينية الى الجماهير كمخرج خيالي من عالمها الفظيع . بينما تعلم الماركسية الجماهير مواجهة العالم كما هو وتدربها على كيفية تغييره. وبما أن الماركسية تعتمد أساسا على الواقع فهي قادرة إذن على تغييره. كما تعلم الماركسية الجماهير أنه لا وجود لكائن ماورائي يعينها . تحتاج الجماهير " للسحر" . ولكن هذا السحر كان دائما ولا يمكنه أن يكون إلا ثمرة وعي إنساني. واليوم فإن السحر هو تكريس الماركسية وقد تطورت الماركسية من خلال الإنتاج و البحث العلمي –تطورت إلى ماركسية – لينينية – ماوية . و الماركسية – اللينينية – الماوية إيديولوجيا بروليتارية علمية ثورية إستطاعت أن تنتج نظرة عالمية علمية وخطابا سياسيا وعسكريا و إقتصاديا يعكس حقيقة مصالح الجماهير المستغَلة . ولأول مرة فى تاريخ المجتمع الطبقي ، لم تعد الجماهير في حاجة إلى إيديولوجيات بالية وقديمة أو حتى حديثة من إنتاج الطبقات الإستغلالية .
3- العوامل التي تقف وراء صعود القوى الإسلامية :
خلال العقود الماضية مثلت قوى لائكية ، قوى شيوعية حقيقية ، قوى شيوعية زائفة موالية للسوفيات وقوى قومية لائكية، مثلت أساس السياسية المعارضة للزمر الحاكمة فى بلدان الشرق الأوسط ولأسيادهم الإمبرياليين . لننظر إلى إيران ومصر وفلسطين . إثر الحرب العالمية الثانية ، فى إيران، كانت القوتان الأكبر المعارضتان لنظام الشاه وأسياده الإمبرياليين هما حزب توده الموالي للسوفيات والجبهة الوطنية بقيادة مصدق الذي أطاح به فى 1953 إنقلاب الس آي آي بإعانة من الموالي . وفى البلدان العربية ، كانت القوى المعارضة تتكون بالأساس من قوى قومية لائكية ويسارية . و فى مصر ، قاد هذه القوى جمال عبد الناصر الذي رفع راية معارضة الهيمنة الأجنبية فى الوقت الذي كان يقمع فيه القوى الثورية الحقيقية . وفى فلسطين ، كانت القوى اللائكية وقوى ذات ميول يسارية فلسطينية هي التي قادت النضال ضد " إسرائيل" ، بينما لم تكتسب القوى الإسلامية تأثيرا إلا فى الثمانينات أساسا . فما هي إذن العوامل التي أعادت الحركات الإسلامية إلى الساحة السياسية؟
أي 1 - كيف تم تقديم القوى السياسية للمسرح السياسي عمدا على أيدي السياسات الإمبريالية ؟
2- كيف أن القمع الدموي للشيوعيين الثوريين وإخفاقاتهم أوجدت فراغا ملأته هذه الحركات ؟
يرجع أحد أسباب نمو تأثير القوى الإسلامية إلى السياسة الإمبريالية الغربية ودولها العميلة فى الشرق الأوسط التي تصدت لتقدم الجماهير الثورية ولتقدم حلفاء خصمهم الإمبريالية السوفياتية من جهة وحركات القوى الإسلامية من جهة ثانية. وفى السبعينات وعبر الشرق الوسط ، تطورت شبكة من المساجد بتشجيع من الأنظمة. فى1977 ، قام الجنرال ضياء الحق بإنقلاب مسنود من طرف الأمريكان ضد بوتو فى الباكستان وأدخل الشريعة فى الدستور الباكستاني . وفى إيران أسست جمعية الفلسفة الملكية التي يترأسها متخرجو كليات تربيتهم غربية –إسلامية وتتمثل أطروحتها في دعم الإسلام في المجتمع الإيراني الذي يظل في حاجة إلى مثل هذه الهوية إلإيديولوجية. وبينما كانت القوى الشيوعية الثورية تتعرض للمطاردة والقتل والسجن أو تدفع نحو الهجرة من قبل نظام الشاه ، تمتع الاسلاميون بكافة أنواع الندوات للنقاشات الإسلامية بغرض نشر الفكر الإسلامي فى صفوف المثقفين . وجاء تحالف الكهنوت مع تجار البازار والمضاربين ليوسع شبكة المساجد والدعوة الإسلامية بيتا بيتا, ومنحت لهم حرية نقد الشاه بإستثناء تنظيم أنصاري إسلامي –يساري سري صغير ، مجاهدي خلق الإيراني الذي لم يتمتع بتلك الحرية. وفى 1980 ، وإثر الإنقلاب العسكري فى تركيا ، ذهب جنرالات أتاتركييى التفكير إلى سويسرا لإرجاع القائد الإسلامي أربكان إلى البلاد من المهجر الذى فرض عليه من قبل. وعاد ليشكل حزب الرفاه الإسلامي . ومُكّنت القوى الإسلامية من مساحات لتفرض سيطرتها على الجماهير القاعدية ومُنحت المدارس الإسلامية ملايين الدولارات. وأثناء الثورة المضادة ضد الإنتفاضة الكردية، إستعمل الجيش التركي قوى حزب الله بشكل واسع.
فى حين أنه من الصحيح أن حكام المجتمعات الإضطهادية فى الشرق الأوسط يشجعون القوى الإسلامية ، تظل مسألة العوامل الأصلية التي تنتجهم وتعيد إنتاجهم مطروحة . إن القوى الإسلامية ليست مجرد "بقايا الماضي" وإنما هي إفراز للهياكل العصرية للمجتمعات الشرق أوسطية ،التي هي بدورها نتاج التوغل الإمبريالي العميق فى هذه المجتمعات التي وقع تنظيمها من جديد وإدماجها فى الشبكة العالمية للنظام الإمبريالي – ومثلت هذه سيرورة أتعس محطة فى تاريخ الإنسان. وهي سيرورة مستمرة تتسبب في أزمات وتقف وراء معاناة جماهير شعوب العالم – و "العولمة" من آخر فصولها.
يعكس صعود الأصولية اللإسلامية الأزمة الخانقة لدول المستعمرات الجديدة فى المنطقة حيث يتسع الفقر ، فى حين تُضخ الثروات الهائلة للمنطقة نحو الغرب. كما يعكس واقع الطبقات الوسطى المتذبذب وواقع تهجير السكان والصدام الدائم بين أوحال العصر ما قبل الرأسمالي والإنجرار إلى دوامة الرأسمالية العالمية . وهكذا تظل هذه البلدان فى غليان مستمر إذ تشهد حتى الطبقات الرجعية صراعات حادة و تنافس عنيف.
لقد كان الإسلام الإيديولوجيا الحاكمة لمجتمعات الشرق الأوسط لمدة طويلة من الزمن , وكانت المؤسسات الدينية جزءا من الهياكل الحاكمة قبل هيمنة القوى الإستعمارية والإمبريالية الغربية على الشرق الأوسط. مع ذلك شهدت مواقعها فى الهياكل الحاكمة بعض التغيير فى أعقاب الحرب العالمية الأولى والثانية . إثر الحرب العالمية أدخل البريطانيون تغييرات كبيرة فى مختلف البلدان التي هيمنوا عليها سابقا. لقد عمدوا إلى ما يسمى "بناء الأمة" فى إرتباط بالإمبريالية فشكلوا دولا مركزية بجيوش وشرطة عصرية وأنشأوا السكك الحديدية والطرق الخ . كان هذا جزءا من بناء قلاع ضد المولود الجديد ، الإتحاد السوفياتي الإشتراكي مما أفرز وجوها مثل رضا شاه فى إيران و أتاتورك فى تركيا . وإثر الحرب العالمية الثانية، جاءت نقطة عقدية أخرى. ثم أدخلت الولايات المتحدة الأمريكية إعادة هيكلة كبيرة إقتصادية وسياسية فى عدد من البلدان الإستراتيجية الواقعة تحت سيطرتها. فكانت النتيجة تشكيل طبقي جديد حيث توسعت الطبقة العاملة وأنتج النظام التربوي العصري مثقفين عصريين صار عدد منهم موظف الدولة بينما إلتحق آخرون بالأوساط التقدمية والثورية وتم نبذ جزء من المؤسسات الدينية وفى معظم البلدان جرى تقليص سلطتها على الدساتير .
والقوى الإسلامية التي إفتكت السلطة فى إيران سنة 1979 هي التي وقعت إزاحتها من هياكل السلطة إثر الحرب العالمية الثانية . عقب الحرب العالمية الأولى والثانية، تعرضت القاعدة الإقتصادية الإقطاعية والبنية الفوقية المناسبة لها إلى ضربات عنيفة مع الموجات المتقطعة من التوغل الإمبريالي.فمؤسسات الكهنوت التي كانت تمثل قاعدة قوية لسلطة الدولة نبذت بفعل موجات عديدة ،أولا إثر الحرب العالمية الأولى حين أدخل البريطانيون هيكلة الدولة المركزية شبه المستعمرة ، ثم من جديد إثر الحرب العالمية الثانية. وقد شجعت الولايات المتحدة إصلاحا زراعيا وإصلاحات أخرى أنجزها شاه إيران فى الستينات باسم "الثورة البيضاء ". فأضعفت هذه الإصلاحات الكهنوت بقدر كبير. لكن الثورة البيضاء لم تستأصل الإقطاعية، بل أعادت تنظيم أسلوب الإنتاج شبه الإقطاعي لاغير وربطته بالعلاقات الإمبريالية العالمية. إضافة إلى ذلك ، بحكم أن توغل العلاقات "العصرية" تم على أساس رأسمالي وكان يهدف إلى صيانة هياكل الدولة القائمة فإنه لم يبحث عن مكاشفة حيوية مع ممثلي الإقطاع وأفكاره ومؤسساته ، وإنما بدلا من ذلك ، إرتأى الإتفاق معه بغرض دمجه فى النظام الإستعماري الجديد . وقد عارض آية الله الخميني أهم مظاهر ثورة الشاه البيضاء : توزيع الأرض على الفلاحين رغم محدوديته ، ومنح المرأة حق الإنتخاب. حين إصطدم قطار " التصعير " بالحجارة ، عادت القوى الإسلامية التي أزيحت من هياكل السلطة إلى تصيد الشاه وأسياده الأمريكان . وخلق هذا التعصير الإمبريالي إقتصادا غير متوازن وغير متماسك لم يتسبب فى معاناة ملايين الجماهير فقط بل وأصبح غير عملي.
وتطورت مثل هذه الديناميكية فى بلدان أخرى مثل مصر. وبداية من الستينات ، إقتلع ماسمي بقطار التعصير هناك الفلاحين بأعداد كبيرة من أراضيهم لكن الرأسمالية البيروقراطية لم تستطع أن تستوعبهم فى المصانع العصرية وفي تجارة المواد الفلاحية وقطاع البناء.
وكانت هذه ظاهرة كبرى عبر الشرق الأوسط حيث غصت المدن الكبرى بالسكان النازحين من الريف. وبدأت الطبقة الوسطى المدينية التي نمت فى الستينات – كما نمى نظام المدرسة اللائكية وعدد طلبة الجامعات - فإستغلت الحركة الإسلامية ، كافة السبل لترتبط بغضب جماهير الفقراء وبقطاع المثقفين .
وجد الشيوعيون الثوريون والقوى الدينية الظلامية والقوميون أنفسهم فى نفس الخندق ضد شاه إيران وأسياده الأمريكان لفترة قصيرة. وإتبع قطاع من فقراء المدن – غالبية الفلاحين النازحين آية الله الخميني . وغير صحيح أن هؤلاء الفقراء النازحين إسلاميين بالوراثة . إنما يتعلق الأمر بأن الإيديولوجيا الإسلامية عفويا تنبع من هياكل المجتمع شبه الإقطاعي وهي موجودة لكي تلجأ لها الجماهير المكبوتة لكن حشدا من فقراء المدن مماثلا لذلك الذي رحب بالخميني فى طهران ، سنة 1979 تظاهر هنالك قبل عقد من الزمن فى حداد على مغنية شعبية – راقصة تسمى مهفاش.
والعامل الثالث والمهم للغاية هو عامل الأزمة داخل الحركة الشيوعية العالمية. حيث مثلت إعادة تركيز الرأسمالية فى الإتحاد السوفياتي سابقا فى أواسط الخمسينات أول مصدر لهذه الأزمة . فالإسلام لم يكسب مثل هذه المكانة المرموقة فى صفوف الجماهير المناهضة للوضع القائم بسبب حيويته السياسية ووضوحه النظري وممارسته الراديكالية, بل لأن الأزمة خلقت داخل الحركة الشيوعية العالمية فراغا هائلا فى قيادة الجماهير إستغلته القوى الإسلامية التي لقيت كل الدعم من الإمبريالية الغربية. وبالضبط مثلما ساهمت الثورات الإشتراكية فى روسيا (1917) والصين (1949) والثورة الثقافية البروليتارية الكبرى (1966-1976) في نمو الحركات الشيوعية والثورية اللائكية فى العالم قاطبة ، بما فى ذلك فى الشرق الأوسط . ومثل إعادة تركيز الرأسمالية فى الإتحاد السوفياتي من جهة وخيانة الإمبريالية الإشتراكية والأحزاب الموالية لها لحركات التحرر الوطني من جهة ثانية، مثل هذان العاملان صفعة للقوى الشيوعية الحقيقية . وعلى أساس مصالح السياسة الخارجية السوفياتية ، شرعت الأحزاب الموالية للسوفيات فى التعاون مع الأنظمة الرجعية . "فإكتشفوا" عناصر "تقدمية" لدى شاه إيران ولدى الإشتراكية العربية والإشتراكية الإسلامية. و جاء الانقلاب التحريفي في الصينسنة 1976 ليمثل الصفعة الثانية التي تسببت في الثمانينات في أزمة حادة في صلب الحركة الشيوعية. فأتاحت هذه الهزائم ، إلى جانب القمع الدموي للقوى الشيوعية الثورية الحقيقية من قبل الأنظمة الرجعية والإمبرياليين، فرصة لنمو المعارضة تحت الراية الإسلامية.
لما كانت الصين سلطة حمراء ، كانت تقدم النموذج المدوي للثورة وللمجتمع الثوري البديل. لقد كانت قطبا قويا للجماهير المضطهَدة فى كل مكان ومثلت الراية الخفاقة لكل من يطمح إلى تغيير العالم بنفسه دون ترقب قرار هذا الإلاه أم ذاك وكانت مثالا لامعا للبعد الأممي للنضال فساعدت نضالات الشعوب عبر العالم ودفعتها إلى الأمام.
4- الحماقة الإمبريالية ليست أفضل من الأصولية الإسلامية :
كرد فعل على الأصولية الإسلامية ، يعتقد بعض مثقفي بلدان الشرق الأوسط أن المشاكل الأساسية هي بالأساس" داخلية " وليست راجعة فقط إلى وجود الإستعمار الجديد والإمبريالية. ويحمل هذا الإعتقاد بعض الصحة إذ لازال الشرق الأوسط يتخبط في بقايا الإقطاعية . لكن الحقيقة الأبرز هي أنه منذ إدماج هذه البلدان فى النظام الإمبريالي العالمي ، غدت هذه المشاكل "الداخلية " و "الخارجية" مترابطة – وهي مشاكل نابعة من طبيعة حكم السلطة السياسية المسيطرة والمرتبطة بالهيمنة الإقتصادية والسياسية للإمبريالية . ولهذه الطبقات جذورها الضاربة فى الإستغلال الرأسمالي والإقطاعي للعمال والفلاحين وفى الوقت نفسه لا يمكن النظر إليها فى تاريخها البعيد لأن بلدان العالم الثالث المعاصرة ناجمة عن بناء العصر الإمبريالي, ودون التحديد الصحيح للحواجز المعرقلة لتقدم هذه المجتمعات ، لا يمكن أن نعثر على الحلول. إن القوى الإسلامية والقوى التي تبيض وجه الإمبريالية تخطأ فى فهم الأسباب الحقيقية للمشاكل . وبالتالي تظل حلولها خاطئة . فالأولى تقترح العودة إلى الخلف ببرامج رجعية . و الثانية تغمض عينيها عن بربرية الإمبريالية لأنها تفترض أن قنابل الإمبريالية تأتى ببذور العصرنة والتنوير الذي ينتشر فى هذه البلدان . هذا الخط الموالي للإمبريالية وجد دوما فى صفوف الدرجات العليا من مثقفي الشرق الأوسط . و أصبح هؤلاء بيروقراطيون لدى الإمبريالية.
النظام الرأسمالي العالمي – الإمبريالية- هو الذي يحافظ على الدول الرجعية فى بلدان العالم الثالث ، حاكما على عديد شعوب العالم بالبؤس والجوع ومستحوذا على الطاقات الخلاقة لجماهير العالم بأسره ،لأن هيكلة النظام العالمي لا تساعد جماهير العالم الثالث على أن تتولى أمورها بنفسها.
لقد تركت الإمبريالية والإقطاع البلدان المضطهَدة تتخبط في واقع التخلف. لننظر إلى أفغانستان مثلا: نزلت القوات الأمريكية فى أفغانستان بأكياس من الدولارات لشراء الولاء السياسي والعسكري لقادة القبائل بغرض تركيز نوع التوافق السياسي الذي تحتاجه إمبراطوريتهم فى ذلك الجزء من العالم . إن الدولار علاقة إجتماعية . فهو يشكل الظروف الإجتماعية – الإقتصادية فى العالم. وتمثل هيكلة العلاقات بين البلدان الإمبريالية والأمم المضطهَدة جزءا حيويا من النظام الرأسمالي العالمي. وتصوغ الإمبريالية بإعتبارها القوة الأساسية العلاقات الطبقية والإجتماعية الداخلية ضمن الأمم المضطهَدة . وتعتبر الطبقات الرجعية داخل هذه الأمم المضطهَدة – أي الملاكون العقاريون الكبار، والصناعيون الكبار والتجار وأصحاب البنوك الكبار – حلفاء طبقيين للنظام الرأسمالي العالمي وعملاء ينفذون سياساته محليا. وتتوتر أحيانا العلاقات بين الأسياد الإمبرياليين والطبقات الرجعية المحلية. ورغم ذلك ، فى التحليل النهائي ، ترتبط حياتها كطبقات إقطاعية كمبرادورية بالروابط المتنوعة مع الإمبرياليين . لذلك من غير الممكن أن نفرق بين المشاكل "الداخلية" و"الخارجية" لأنها مترابطة وبالتالي ينبغي أن نطيح بالإثنين .
وتوجد فى هذه المجتمعات مظاهر الإقطاع فى كل من القاعدة الإقتصادية والبناء الفوقي . وتمر هذه المجتمعات عبر فترة إنتقالية طويلة وبطيئة ومؤلمة، من العصر الإقطاعي إلى العصر البرجوازي. ويعكس عدم فصل الدين عن الدولة وواقع المرأة والعلاقات الإجتماعية الأبوية القوية ومحاباة الأقارب مظاهر التخلف. ظلت هذه المجتمعات تحت نير الإمبريالية لزمن طويل. لقد كان الإمبرياليون أهم عامل وراء أي تعصير موجود فى هذه البلدان وفى الوقت نفسه ، أدمجوا إقتصاديات هذه البلدان المتخلفة بحيث أصبحت خاضعة لشبكة الرأسمالية العالمية. وفى الوقت الذي كانوا يدخلون فيه قوى إنتاج عصرية ، فرضوا تطورا إقتصاديا غير متوازن حيث تتواجد القطاعات المتقدمة من الإقتصاد كجزر منعزلة تحيط بها مناطق شاسعة من التخلف. وتسبب تقدم الإقتصاد الرأسمالي العالمي ذاته فى تخريب الإقتصاد المحلى لهذه البلدان وجعلها عرضة للهزات العنيفة للسوق العالمي والتغيرات الإيكولوجية . و أحيانا، إتخذت القوى الإمبريالية عن قصد سياسة تعزيز القوى الإقطاعية. وتظل أفغانستان مثالا ساطعا على ذلك . وتهدف سياسة الهيمنة هذه إلى مراكمة المزيد من الأرباح.
إن التطور الشامل لهذه المجتمعات يبقى رهين إنتصار البرنامج المناهض للإقطاع والإمبريالية وإلحاق الهزيمة بعملائهما.
5- الثورة الديمقراطية الجديدة و الاشتراكية – الحل الوحيد :
لقد أخفق الإسلام السياسي حيثما بلغ السلطة ، ففشل فى إرساء أي شيء جديد بالنسبة للجماهير . لقد حافظ على العلاقات الإضطهادية القديمة. فظل الأغنياء أغنياء وظل الفقراء فقراء وظلت قبضة الإمبرياليين على الإقتصاد وباتت السلطة السياسية أقوى من ذي قبل. ويمثل الإسلام السياسي غطاء لتكريس القيم التقليدية والوحدة القبلية فى ظل النظام الجديد ذلك أنه يمثل جوهريا طموحات الطبقات الرجعية فى البلدان الإسلامية . إنه راية أحد شرائح الطبقات الإستغلالية التي تحاول ضمان المشاركة فى هياكل السلطة. وتعتني هذه القوى الطبقية بالجماهير عندما تحتاج لجنود مشاة. ومثلما شدد على ذلك لينين ، يحتاج الرجعيون اليوم حتى للجماهير ليكرسوا برامجهم. وصعود الإسلام السياسي لن يحل أزمة الأنظمة لأن هذه الدول ستتداعي بغطاء إسلامي أو بدونه. لذلك إضطرت أمريكا إلى إنزال قواها العسكرية فى الشرق الأوسط لمراقبة الوضع. وبإمكان الولايات المتحدة أن تستعرض ما شاءت من قوتها الجوية إلا أنه على الأرض تحاصر الجماهير الغاضبة دولها العميلة. إننا في حاجة إلى أحزاب ماركسية – لينينية – ماوية قوية قادرة على قيادة الجماهير وعلى تنظيم طاقاتها وتوظيفها في حرب الشعب من اجل إنتصار الثورات الديمقراطية الجديدة . هذا هو السبيل الوحيد لإجتثاث الإقطاع و ولمعالجة المشاكل القديمة التي تخنق هذه البلدان ولدحر النير الإستعماري.
الهوامش :
1- متعاطفة مع الحزب الشيوعي الإيراني ( الماركسي – اللينيني- الماوي ) .
2- إيليا بفلوفتش بتروشفسكى ، الإسلام فى إيران . يقدم هذا الكتاب الماركسي المعتد به حول تاريخ الإسلام تحليلا عمليا ذا قيمة للجذور الإجتماعية السياسية للإسلام. تلخيصا لكلام بتروشفسكى ، ظهور الإسلام فى بداية القرن السابع ميلادي مرتبط وثيق الإرتباط بتطورات المجتمع الطبقي وبداية حركة معقدة إجتماعية وسياسية فى صفوف عرب الشمال . وصار الإسلام الغطاء الإيديولوجي الذي قاد إلى إرساء دولة عربية بجيشها والى توسعها السياسي عبر شبه الجزيرة العربية.
لقد كان محمد مثقفا من عائلة تجار صغار بمكة . عائلته بني هاشم من القبيلة الثرية( قريش ) كانت من حراس مجموعة الآلهة التي كانت تقدسها مختلف القبائل والعائلات. وكانت مكة تتمتع بموقع جغرافي هام حيث كانت مركز التجارة الأجنبية، بما فيها تجارة العبيد . وكانت طرقات التجارة الرابطة بين الهند والإمبراطورية البيزنطية (سوريا و فلسطين و مصر) تمر عبر اليمن (فى الجنوب) ثم مكة (فى الشمال ) .
و سيطرت إيران فى ظل السسانيين على اليمن فى القرن السادس فحولت الطريق التجاري إلى صالحها . عندئذ تقلصت التجارة الأجنبية فى مكة التي كانت كذلك مركز التبادل السلعي الداخلي بين العرب الرحل الذين كانوا يبادلون السلع اللبنية بالتمر والحبوب والزرابي من مكة . وكانت قبيلة قريش تعيش بمكة وصار بعض عناصرها أغنياء للغاية بفضل التجارة والمراباة التي عبرها تسببوا فى إفلاس عائلات و تجار صغار ( مثل عائلة بني أمية ، فى البداية أهم أعداء محمد ، لكن إتحدوا معه فى ما بعد و قادوا توسع الإمبراطورية الإسلامية ). وكان أعضاء منها
آخرين تجار بسطاء وفلاحين (مثل بني هاشم ،عائلة محمد) . جميعهم بلا شفقة كانوا يتاجرون فى العبيد من أثيوبيا و كانوا يستغلونهم فى الفلاحة أيضا . أذهل تحلل
المجموعة القبلية وتطور الملكية الفردية للأرض وما تلا ذلك من إتساع البون بين الأغنياء والفقراء داخل كل قبيلة، أذهل المناطق الشمالية لشبه الجزيرة العربية ذلك أنها وجدت نفسها فى أزمة إجتماعية وإقتصادية هائلة . فأخذ محمد على عاتقه توحيد القبائل المتفرعة والمتحاربة فى شبه الجزيرة العربية كحل للأزمة . لذا صارت دولة موحدة لكافة الجزيرة العربية ضرورية .
3- للهزائم التي تسبب فيها الإستعماريون الغربيون طوال القرن التاسع عشر صدى واسع فى الأدب الإسلامي . لقد عزز البريطانيون سيطرتهم على الشرق الأوسط فى النصف الأخير من القرن التاسع عشر وخلال نفس الفترة فكّكوا الإمبراطورية العثمانية . ودخلت روسيا القيصرية القوقاز و آسيا الوسطى فى1857 . ومثل نصف القرن ذاك نقطة تحول فقد أنهى توازن قرون بين الإمبراطورية الإسلامية والإمبراطورية المسيحية. لقد تجاوز العالم المسيحي الإقطاع لكن العالم الإسلامي لم يزل متعلقا بالماضي.
وتستعمل قوى إسلامية متنوعة أقل أصولية وأقرب إلى القومية الحنين إلى الماضي ما قبل الإستعماري كراية إيديولوجية لتوحيد الشعب : التظاهر عبر شوارع رام الهر حاملين صورة صلاح الدين الأيوبي ( مقاتل مظفر شهير قاتل من أجل الإمبراطورية الإسلامية ضد الصليبيين ) و خلق أوهام حول الإمبراطورية العثمانية حتى وإن كان الإقطاعيون والملوك العرب قد أعانوا بسرور البريطانيون للتخلص من العثمانيين ، و حنين للماضي لا نهاية له بخصوص كيف أن الحضارة الإسلامية كانت أكثر تقدما من الحضارة الأوروبية التي كانت لا تزال تسبح فى عصور الظلمات (وهو أمر صحيح ولكن لننظر إلى المستقبل !) . هذا التاريخ أطلق نقاشا كبيرا حول " "لماذا لم يستطع الجزء الإسلامي من العالم أن ينافس الإستعمار الأوروبي ". وهذا فى حد ذاته موضوع هام للدراسة والتحليل التاريخيين في صفوف مثقفي البلدان الإسلامية ، بيد أن هذا النقاش يتجاوز مجال هذا المقال . ومع ذلك ستبدأ مقاربة بروليتارية صحيحة من نقطة أنه بينما من الهام إستكشاف هذا المظهر من تطور المجتمع الإنساني فالبروليتاريا لا تناضل ضد الإمبراطوريات الرجعية التي لا ترحم (أي الإمبرياليين ) بهدف إعادة تركيز الإمبراطوريات البائدة . قبل كل شيء ، لم توجد الطبقة العاملة حينها حتى، لذلك ليس لديها أية إمبراطورية تندبها أو تقاتل لتعيد إحياءها . ثانيا ، كانت هذه الإمبراطوريات القديمة – فى الشرق وفى الغرب بغض النظر عن الدين أو المجموعة الإثنية – إضطهادية ولا تستحق أن نحن ّ اليها . بإمكان البروليتاريا أن تقول بحرية كما قال ماركس : لندع الميت يقبر الميت (بكلمات أخرى ، لندع القوى الطبقية البرجوازية والإقطاعية تندب ماضيها .
لنا المستقبل من أجله نقاتل، من أجل مجتمع مستقبلي مختلف تماما عن كافة المجتمعات الطبقية السابقة.
4 - ضمن المنظرين الإيديولوجيين للحركات الإسلامية الحالية هنالك الخميني، مطهري ، طاليغانى من إيران والسيد قطب من مصر والمودودي من باكستان والترابي من السودان .
5- فى الثمانينات ، قامت الس آي آي تحت إدارة ريغن بعمليات حربية ضد النظام السنديني الجديد فى نيكاراغوا . وسمي الجيش المكون من الجنود المأجورين الرجعيين النيكارغويين والكوبيين الذين كانوا تحت إمرة اوليفر نورث من الس آي آي ، الكنتراس . وكانت العملية تموّل من عوائد تهريب الكوكايين وبيع الأسلحة لإيران عبر " إسرائيل". والفضيحة سميت إيران كنتراقايت.
6- لا سيما منذ 11 سبتمبر ، وًجدت كمية هائلة من الدعاية فى وسائل الإعلام الغربية ، بما فيها صحافة المثقفين الليبراليين ، تحاجج بأن الإسلام مختلف عن الديانات الأخرى وبأنه صميميا أكثر تصلبا و أقل إنفتاحا للرغبة فى البحث من الأديان الكبرى الأخرى ولهذا العالم العربي والإسلامي على هذا الحال من الفقر وله مثل هؤلاء القادة المتخلفين (الشيوخ الإقطاعيين و أمثالهم ) . وهذا يعنى أن الناس فى الغرب أوفر حظا لأنهم يعيشون فى ظل أنظمة تقوم على قيم أكثر إنفتاحا ، قيم يهودية – مسيحية و هذا بدوره سبب تمتعهم بأكثر نمو وأكثر حرية. هذه حجة شوفينية غربية . بشأن الكتاب والتقاليد الإسلامية من الضروري لفت النظر إلى أن القرآن والتقاليد الإسلامية بطرق عديدة و ببساطة إمتداد معين وملموس للكتب والتقاليد اليهودية – المسيحية وكذلك الأخرى كالزرادشتية والفلسفة اليونانية إلخ . كل هذه الديانات كذلك إضطهادية ورجعية .
من اللاتاريخي القول بأن الإسلام غير قابل جوهريا للإصلاح . فطوال تاريخه تفاعل الإسلام مع الظروف الإجتماعية المتغيرة . وبالفعل ، عديد الأنواع من الإسلام ثمرة إنتفاضات شعبية ، وغزوات وصراعات على السلطة وتطور العلم فى أجزاء من العالم الإسلامي ، والتعلم من اليونانيين والمصريين والبابليين والتقدم فى الرياضيات وفى علم الفلك إلخ وصحيح أيضا أن العالم الإسلامي كان بطرق عديدة أكثر تطورا علميا وفكريا من العالم الأوروبي القروسطي . حين تم إرساء الإمبراطورية الإسلامية فى القرن السابع ، كانت أوروبا تعيش عصور الظلمات . فى القرون التالية، أقامت المسيحية محاكم التفتيش وحرقت المارقين عن الدين والتقاليد و ما إلى ذلك .
مع ذلك ، أطاحت الثورات الرأسمالية الأوروبية بالسلطة الدينية وبالإقطاع بينما ظل الإقطاع يحكم قبضته على الأراضي الإسلامية . ولكن التطور الرأسمالي فى الغرب لم يكن تقديرا مسيحيا. يقول البعض لولا البروتستنتية و الكلفينية ، لم تكن الرأسمالية لتتطور فى الغرب . والواقع هو العكس . حين تطورت الرأسمالية (وهو أمر لم يكن مقدر حصوله بالطريقة التي حصل بها فى أوروبا أولا) خلق تاريخا عالميا موحدا . وفى هذه السيرورة إستمر الإسلام كجزء من البنية الفوقية للمجتمعات التي هي فى آن إضطهادية وتابعة . عندما توغل الإستعمار والإمبريالية الأوروبية والأمريكية فى هذه البلدان ، أنشأ مجتمعات شبه إقطاعية شبه مستعمرة غير متوازنة نراها اليوم . وهيمنة الإسلام فى البنية الفوقية لهذه المجتمعات يجسد كل من حضور القوى الإقطاعية والعبودية الإستعمارية – الإمبريالية . هكذا تطور التاريخ ومن اللاتاريخي محاججة أن دينا أفضل من الأديان الأخري.
و نظرة أخرى لا تاريخية هي تلك القائلة بأن على الإسلام أن يتدارك! لا يمكنه ولا يجب أن يحاول أن "يتدارك" فالعالم بعدُ مشبع بالبلدان الرأسمالية – الإمبريالية والبلدان الإسلامية لا تحتاج إنتاج لوثريين أو كانطيين إسلاميين . لقد تم تجاوز ذلك العصر ومحاولات إعادة إنتاجه تنحو إلى أن تكون رجعية .
7- علي شريعاتي ، إيراني ، واحد من أكبر المفكرين الإسلاميين المعروفين . حاول أن ينشأ فكرا شيعيا ثوريا معاصرا . إنه الأب المؤسس لتيار جديد فى الشيعة . إعتبره آية الله الخميني إنتقائيا.
يعود شريعاتي إلى جذور الشيعة ليدعي أن لديها إمكانيات ثورية هائلة كامنة . ومزج هذه القراءة الشيعية الجديدة مع السوسيولوجيا العصرية مضمنا إياها حتى عناصر من الماركسية ، لينتهي إلى ما صوره على أنه هوية محلية مناهضة للإستعمار سماها " العودة إلى الذات " حسب عنوان أحد أهم كتاباته . لقد جمع المستغِلين والمستغََلين فى الغرب فى سلة واحدة " الآخرين" ورسم فاطمة ، بنت الرسول محمد ، فى دور نموذج على النساء المسلمات المعاصرات الإحتذاء به. وكان هدفه السياسي الوقوف فى وجه التأثير الماركسي فى صفوف المفكرين الإيرانيين.
8- فى القرن التاسع عشر،أمست التراتبية فى العقيدة الشيعية مؤسساتية كالتالي : آية الله الكبير فى القمة يتبعه آية الله ثم حجة الإسلام. فقط آيات الله الكبار بإمكانهم ممارسة التقليد .
9- يتعين قول كلمة هنا بصدد منظمة مجاهدي خلق الإيرانية بإعتبار أنها تختلف فى مستويات معينة عن غالبية الحركات الإسلامية الأصولية الأخرى . تأسست فى أواخر الستينات كتنظيم أنصاري معادي للإمبريالية وقاتلت الشاه والإمبريالية الأمريكية . وحددت بوضوح أهداف سياسية – الإطاحة بالشاه وطرد الإمبريالية من إيران - وآفاقها للمجتمع المستقبلي كانت "مجتمع توحيدي لاطبقي "، مجتمع لاطبقي حيث يكون كل شيء ملك الله . فى بداياتها الأولى ، كانت منظمة برجوازية صغيرة راديكالية شعرت بالحاجة إلى أن تعمد إلى الإسلام بغاية كسب الشرعية ضمن المسلمين وتمييز نفسها عن المنظمات السياسية الماركسية . وفى الوقت نفسه، أحست بالحاجة إلى إدخال مفاهيم ماركسية ، مثل الطبقات والإستغلال والإمبريالية إلخ فى نظريتها لتميز نفسها عن الكهنوت الرجعيين و الأصوليين الإسلاميين . / .

      
 
 شما در حال خواندن مقاله
 الإسلام إيديولوجيا وأداة في يد الطبقات المستغِلّة
 نوشته
 نسرين الجزائری
 در تاريخ
 2011-03-06
 منتشر شده در
 
.هستيد
 
 
تماس با ما 
فيس بوک 
تويتر      
حزب کمونيست ايران (م.ل.م)
را دنبال کنيد در